محمد بن عبد الجبار بن الحسن النفري

9

الاعمال الصوفية

بأرض ، ولا يتعرف إلى أحد . وذكر أنه توفي بأرض مصر في بعض قراها . والله أعلم بجلية أمره » « 2 » . وليس من شك في أن تعليقة التلمساني مستمدة مما وجده في التذييلات على نصوص النفّريّ ومخطوطاته ، التي تشير إلى أنه كتبها في « نيل مصر » . و « نيل مصر » المشار إليها في أعمال النفّريّ هي كما يقول ياقوت الحموي « بليدة في سواد الكوفة ، قرب حلة بني مزيد ، يخترقها خليج كبير يتخلج من الفرات الكبير ، حفره الحجاج بن يوسف ، وسماه بنيل مصر » « 3 » . لكن التلمساني لعدم معرفته بأسماء المواضع العراقية وبعده عنها ، تصور أن المقصود بنيل مصر هو مصر الدولة التاريخية . وهو دون شك خطأ توضحه المقارنة بين تواريخ تذييلات نصوص النفّريّ ومواضع كتابتها . إذ ترد إشارات متكررة إلى كون النفّريّ كتب بعض الملاحظات في « النيل » في شهر من سنة معينة ، ثم كتب ملاحظة أخرى في السنة نفسها في موضع عراقي آخر معروف لا غبار عليه . من ذلك مثلا أنه كتب : « نسخة ما في الدفاتر الستة المكتوبة بالنيل في سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة » . ثم عاد إلى التعليق على دفتر آخر قائلا : « نفّر في المحرم سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة » . فلا يعقل أن يكون قد سافر إلى مصر ، الدولة التاريخية ، ثم عاد منها في غضون سنة واحدة لكتابة الجزء المتبقي . وتتكرر الملاحظة نفسها في دفتر آخر يقول فيه : « نسخة دفتر لطيف كتبته بالنيل في شهر رمضان سنة أربع وخمسين وثلاثمائة » . بينما نجد في دفتر آخر ما يأتي : « الدفتر الذي كتب في المدائن سنة أربع وخمسين وثلاثمائة » . ومن خلال الجمع بين هذه الملاحظات ، التي أعددنا لها دليلا خاصا في الفهارس ، يتضح أن « النيل » المقصودة ، ليست مصر الدولة التاريخية ، بل هي قطعا بليدة سواد الكوفة ، الواقعة في محيط نفّر . فضلا عن ذلك ، يأتينا دليل آخر من كتب التاريخ ، يثبت استحالة سفر النفّريّ من العراق إلى مصر في هذه الفترة تحديدا ، بسبب انقطاع المواصلات بين البلدين لاستيلاء الأعراب والقبائل الثائرة على الطرق . ففي سنة 357 ، ملك القرامطة الشام ،

--> ( 2 ) التلمساني : شرح المواقف ، ص 259 . ( 3 ) في الواقع أن الحجاج استخدم مصطلحا عراقيا قديما لا علاقة له بالدولة المصرية . بل إن إطلاق اسم « مصر » على الدولة التاريخية هو تسمية عراقية أيضا ، إذ يرد اسمها في النصوص الآشورية بصيغة « مصراتا » . وحين فتح العرب العراق استخدموا المصطلح العراقي الدال على ( تمصير الأمصار ) بمعنى تخطيط المدن وبنائها . أما التسمية المصرية الفرعونية لمصر فهي ( كومت ) التي تحولت إلى ( قفط ) العربية ، و ( كبت ) و ( إيجيبت ) في اللغات الأوربية .